أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

41

نثر الدر في المحاضرات

قيل لأعرابي : ما تقول في الجرّيّ « 1 » . قال : تمرة نرسيانة غرّاء الطّرف ؛ صفراء السّائر ، عليها مثلها من الزبد ، أحبّ إليّ منها ولا أحرّمه . وقال آخر : كن حلو الصّبر عند مرّ النّازلة . ومرّ أعرابيّ في أطمار رثّة برجل فقال الرجل : واللّه ما يسرني أني كنت ضيفك في ليلتي هذه . فقال له الأعرابي : أما واللّه لو كنت ضيفي ، لغدوت من عندي أبطن من أمك قبل أن تضعك بساعة ، أما واللّه إنا وجدنا آكلكم للمأدوم ، وأعطاكم للمحروم . قال أعرابي : رب موثق مؤبق . قيل لآخر : أتشرب النبيذ ؟ فقال : واللّه ما أرضى عقلي مجتمعا فكيف أفرّقه ؟ وقيل لآخر : أما تشرب ؟ قال : أنا لا أشرب ما يشرب عقلي . قال بعضهم : رأيت أعرابيا والإبل قد ملأت الوادي فقلت : لمن هذه ؟ فقال : للّه في يدي . قال أبو العيناء : أضفت أعرابيّا قدم من المدينة ، فلما قعدنا نأكل ، جعلت أذكر غلاء السعر في تلك السنة ، فرفع الأعرابي يده عن الطعام ، وقال : ليس من المروءة ذكر غلاء الأسعار للضيف . فقام ، فاجتهدت به أن يأكل شيئا فأبى ، وانصرف . حكى عن حصين بن أبي الحر ، قال : وفدت إلى معاوية فطلبت عامر بن عبد قيس فقال : لا تريه بالنهار فأتيته عند المغرب وهو يتعشّى ، فسلّمت عليه فردّ السلام ، لم يدعني إلى عشائه ولم يسألني عن أهله ، فقلت : العجب منك لم تدعني إلى عشائك ولم تسألني عن أحد من أهلك ، فقال : أما عشائي فخشن ، وأنت قد تعوّدت النعمة ، فكرهت أن أحملك من تجشّمه على ما يشق عليك ، وأما أهلي ، فأنا أعرف أخبارهم ، الماضي فلا يرجع إليهم ، وأما الباقي فلاحق بمن مضى منهم .

--> ( 1 ) الجرّيّ : نوع من السمك .